سيد محمد طنطاوي

140

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش . وقد ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد اللَّه قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « من قال حين سمع النداء - أي الأذان - : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة . آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة » . وثبت في صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو أنه سمع النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على ، فإنه من صلى على صلاة صلى اللَّه عليه بها عشرا ، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللَّه وأرجو أن أكون أنا هو . فمن سأل الوسيلة حلت له شفاعتي » « 1 » . والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد أرشدت المؤمنين إلى ما يسعدهم بأن ذكرت لهم ثلاث وسائل وغاية ، أو ثلاث مقدمات ونتيجة . أما الوسائل الثلاث أو المقدمات الثلاث فهي : تقوى اللَّه ، والتقرب إليه بما يرضيه ، والجهاد في سبيله . وأما الغاية أو النتيجة لكل ذلك فهي الفلاح والفوز والنجاح . ولو أن المسلمين تمسكوا بهذه الوسائل حق التمسك لو صلوا إلى ما يسعدهم في دنياهم وفي آخرتهم . هذا ، وللعلماء كلام طويل في التوسل والوسيلة ، نرى أنه لا بأس من ذكر جانب منه . قال الإمام ابن تيمية : إن لفظ الوسيلة والتوسل فيه إجمال واشتباه ، يجب أن تعرف معانيه ويعطى كل ذي حق حقه . فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه : وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك ، ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه فإن كثيرا من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب . إن لفظ الوسيلة ورد في القرآن ومن ذلك قوله - تعالى - * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه وابْتَغُوا إِلَيْه الْوَسِيلَةَ ) * . الوسيلة التي أمر اللَّه أن تبتغى إليه . هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات . فجماع الوسيلة التي أمر اللَّه الخلق بابتغائها ، هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول ، لا وسيلة لأحد إلى اللَّه إلا ذلك . ولفظ الوسيلة ورد - أيضا - في الأحاديث الصحيحة كقوله صلى اللَّه عليه وسلم « سلوا اللَّه لي الوسيلة فإنها

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 53